محمد سعيد رمضان البوطي

380

فقه السيرة ( البوطي )

وهذا المعنى هو ما أوضحه كلام اللّه جل جلاله : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزمر : 30 ] . وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 35 ) [ الأنبياء : 34 و 35 ] . وإذا فنحن في هذا القسم الأخير من سيرته عليه الصلاة والسلام أمام مشهد لحقيقتين هما دعامتا الإيمان باللّه عز وجل ، بل هما دعامتا الحقيقة الكونية كلها : حقيقة توحيد اللّه عز وجل ، وحقيقة العبودية الشاملة التي فطر اللّه الناس كلهم عليها ، ولا تبديل لحكم اللّه وأمره . والآن . . فلنستعرض ما يوجد في ثنايا هذا البحث من الدروس والأحكام : أولا : ( لا مفاضلة في حكم الإسلام إلا بالعمل الصالح ) . فقد كان زيد بن حارثة رقيقا وهو والد أسامة هذا ، وهو في أصله مولى ، وكان أسامة كما قلنا فتى صغيرا بين الثامنة عشر والعشرين من العمر ، ومع ذلك فلا الصغر ولا الرق القديم منع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أن يجعله أميرا على عامة الصحابة في غزوة مهمة كبرى ! . . ولئن وجد المنافقون في هذا مثارا للتعجب أو الاستنكار ، فإن شريعة الإسلام لا تستغرب ذلك ولا تستنكره ، فما جاء الإسلام إلا ليحطم مقاييس الجاهلية التي كانوا بها يتفاضلون ويتفاوتون ، ولعل النبي صلى اللّه عليه وسلم وجد في أسامة ميزة جعلته أولى من غيره بقيادة الجيش في هذه الغزوة ، وليس على المسلمين في هذا الحال إلا السمع والطاعة وإن أمّر عليهم عبد حبشي ، ولذلك كان أول عمل قام به أبو بكر رضي اللّه عنه في خلافته هو إنفاذ جيش أسامة ، وخرج رضي اللّه عنه فشيّع جيشه بنفسه ماشيا وأسامة راكب ، فقال له أسامة : يا خليفة رسول اللّه ، لتركبن أو لأنزلن ، فقال أبو بكر : واللّه لا نزلت ولا ركبت ، وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللّه ؟ ولقد رجع أسامة رضي اللّه عنه من هذه الغزوة منصورا ظافرا ، وكان في تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للمسلمين « 1 » . ثانيا : ( مشروعية الرقية وفضلها ) وهي التعويذ ، ودليل ذلك ما رويناه من حديث البخاري ومسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوّذات ومسح عنه بيده . . إلخ . وقد كان صلى اللّه عليه وسلم يرقي أصحابه بالقرآن آنا ، وبالأذكار والأدعية أخرى ، روى مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم

--> ( 1 ) تاريخ الطبري : 3 / 22 .